مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

259

تفسير مقتنيات الدرر

أحد وأمّر عبد اللَّه بن جبير على الرماة وقال لهم : ادفعوا العدوّ عنّا بالسهم حتّى لا يأتونا من ورائنا ولا تبرحوا مكانكم وإذا ولَّوكم الأدبار فلا تطلبوا المدبرين . ثمّ إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله لمّا ما وافق رأى عبد اللَّه بن ابيّ وكان من قدماء أهل المدينة ورؤساء المنافقين شقّ عليه ذلك وقال : أطاع الولدان وعصاني ، ثمّ قال لأصحابه : إنّ محمّدا إنّما يظفر بعدوّه بكم وقد وعد أصحابه أنّ أعداءهم إذا عاينوهم انهزموا فانهزموا أنتم فيتبعونكم ويصير الأمر على خلاف ما قاله محمّد ، فلمّا التقى الفريقان انهزم عبد اللَّه بالمنافقين . وكان صلَّى اللَّه عليه وآله قد خرج في ألف رجل أو تسعمائة وخمسين رجلا فلمّا انهزم عبد اللَّه مع ثلاثمائة بقيت سبعمائة وقوّاهم اللَّه مع ذلك حتّى حملوا على المشركين وهزموهم . فلمّا رأى المؤمنون انهزام المشركين طمعوا أن تكون هذه الواقعة كواقعة بدر فطلبوا المدبرين وتركوا ذلك الموضع وخالفوا أمر رسول اللَّه ، فأراد اللَّه أن يفطمهم عن هذا الفعل لئلَّا يقدموا على مخالفة الرسول وليعلموا أنّ ظفرهم يوم بدر ببركة طاعتهم للَّه ولرسوله ومتى تركهم اللَّه مع عدوّهم لم يقوموا لهم ، فتفرّق العسكر عن رسول اللَّه كما قال تعالى : « إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ » « 1 » وشجّ وجه الرسول وكسرت رباعيّته وشلَّت يد طلحة ووقعت الصيحة في العسكرين : إنّ محمّدا قد قتل وكان رجل يكنّى أبا سفيان من الأنصار نادى : هذا رسول اللَّه . وكانت راية رسول اللَّه بيد أمير المؤمنين وراية قريش بيد طلحه بن أبي طلحة العبديّ من بني عبد الدار فقتله أمير المؤمنين فأخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله عليّ عليه السّلام وسقطت الراية فأخذها مسافع بن أبي طلحة وهكذا حتّى قتل عليه السّلام من حاملي الراية تسعة نفر كلَّهم من بني عبد الدار إلى أن حمل لواهم عبد لهم أسود يقال له ثوأب فانتهى إليه عليّ عليه السّلام فقطع يده اليمنى فأخذ اللواء باليسرى فضرب يسراه وقطعها فاعتنقها بالمجذومين « 2 » إلى صدره ثمّ التفت العبد إلى أبي سفيان فقال : هل أعذرت في بني عبد الدار ، فضربه عليّ عليه السّلام على رأسه فقتله وسقط اللواء فأخذها غمرة بنت علقمة

--> ( 1 ) السورة : 153 . ( 2 ) الصحيح : الجذماوين لتأنيث اليد .